12 يوليو، 2010

الحُبّ.. بين الطبِّ والأدب

في الوقت الذي أثبت فيه الأطبّاءُ أنّ الدماغ هو مكان العاطفة والأحاسيس ومشاعر الحُبّ، فإن الشعراءَ والأدباءَ ما زالوا يُصرّون على أنّ القلبَ إنّما هو منبعُ الحبّ ومهواه!! ..على أيّةِ حال، فإنّ نظرة عامّة تبين أن الاتفاق بين الفريقين فيما سوى ذلك أكبر وأبين :)

"الحُبّ.. بين الطبّ والأدب" موضوعٌ كبير ومتشعّب؛ ولا ريبَ أن تدوينةً واحدةً لا تكفي للاحاطة بالفكرةِ وجوانبها، غير أني اطمح ان ألقي ضوءاً على أكثر من زاوية من زوايا هذه الفكرة

[مرضٌ]
يقول ابن حزم الأندلسي في كتاب طوق الحمامة: "واعلم -اعزّك الله- أنّ الحبّ داء عياء..."؛ وفي الحقيقة فإنه ليس بمستغربٍ القولُ إن الحبَّ مرضٌ أو داء، بالنظر لعلاماته -أو بالأحرى أعراضِه- التي يُشير إليها الأدباءُ والأطبّاء على السواء.

ففي دراسة حديثة أجراها علماء من جامعة امبريال كوليدج في لندن، حذّر الأطباء من أنّ الوقوع في الحبِّ يمكن أن يلحق أضراراً بالغة بصحة العاشقَين. فمن المعروف ان العصب الحائر (Vagus nerve) يتأثّر بالحالة النفسية وحالة التوتر والقلق التي يمرّ بها الإنسان حينما يعيش حباً فاشلاً يعذبّه ويؤرّقه؛ فينتج عن ذلك نوبات القولون العصبي، والتهابات ،وقرحة المعدة ،والاثنى عشر، كذلك تزداد نوبات الربو الشعبي عند هؤلاء الأشخاص بل تزداد لديهم أيضا هذه الأمراض الجلدية.

يقول ابن المعتّز:
الحبّ داء عضالٌ لا دواءَ له .. يحارُ فيه الأطباء النحارير
قد كنت أحسب أنّ العاشقين غلوا .. في وصفه فإذا بالقوم تقصير

وفضلا عن آلام الحب عضويّاً، فإن له آثاراً على الصحة النفسيّة، وكما قال أبو فراس الحمداني:
وما كان للأحزان لولاكِ مسلكٌ .. إلى القلب ولكنّ الهوى للبلى جسر

لكنّه، وان كان سقماً، فإن الكثيرين يتمنّونه، ويستلذّون بلاءه، وفي هذا قيل:
تشكّى المحبّون الصبابة ليتني .. تحمّلت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذّة الحبّ كلّها .. فلم يلقها قبلي محبّ ولا بعدي

["حبّك الشيء يُعمي ويصمّ"]
في عبارة لاحد أبطال روايات شكسبير، والتي أصبحت تجري مجرى المثل السائر، تقول: "الحبّ أعمى".. جاء الطبّ الحديث ليثبتها علميّاً؛ ففي دراسة بريطانيّة حديثة حول الحبّ العنيف ومدى تأثيره على التركيز، أشارت إلى أن "الحبّ يجعل الإنسان المحب غالباً ما يتعرض إلى نقص شديد في القدرة على التفكير السليم وعدم التركيز تماما كمن ذهب عقله". وهذا بالضبط ما أشار له ابن القيّم رحمه الله في كتابه الأكثر من رائع (روضة المحبّين ونزهة المشتاقين) إذ قال في باب سكرة العشّاق أن السُّكر هو "لذّة يغيب معها العقل". 

وبالعودة للدراسة البريطانية فقد أشارت إلى أن (تعاطي) الحبّ يحفز المناطق الدماغية ذاتها التي يُحفّزها تعاطي المخدرات!!

يقول الشافعي:
وعينُ الحبّ عن كلّ عيبٍ كليلة .. ولكنّ عين السخط تبدي المساويا

ويقول غيره:
قالت جُننت بمن تهوى فقلت لها .. العشق أعظم ممّا بالمجانين
العشقُ لا يستفيقُ الدهر صاحبه .. وإنّما يُصرع المجنون في الحين

[الحبّ و"الزواج"]
أفرد ابن القيّم فصلاً في كتابه (المشار إليه أعلاه) سمّاه "الجماع يفسد العشق".. وفي دراسة أمريكيّة حديثة تبيّن أن معظم الذين تزوجوا بعد قصة حبّ كبيرة لم ينجح زواجهم. وقد فُسرت هذه الظاهرة بعدة أسباب منها من اعتبر أن العلاقة بُنيت على حب يفتقد العناصر الأساسية من المعرفة الواقعية لكل طرف بالآخر والتي تضمن استمرارية المشاعر.

على أنّ المختصّين النفسيّين متّفقون أنّ الحبَّ احتياجٌ قائمٌ بحدِّ ذاته، ومستقلٌّ تماماً عن الاحتياج الجنسي، وأن الحب َّوالجنس ليسا شيئاً واحداً بل شيئين مختلفين، وقد يجتمعا معاً.. وهُنا أُثبت كلاماً سمعته من د.طارق الحبيب -في برنامج النّفس والحياة- يقول فيه أن الحبَّ الرومانسي (وبظنّي أنه الحبّ المبني على الجمال الخَلقي،  أوالذي لا يعدو في حقيقته ميلاً فطريّاً للجنس الآخر) يموت بالزواج، في حين أن الحبّ الحقيقيّ يثبت ويزداد عمقاً  بالزواج.

ما الحبّ إلا نظرة .. وغمز كفّ وعضد
أو كُتُب فيها رقىً .. أجلُّ من نفث العقد
ما الحبّ إلا هكذا .. إن نُكح الحبّ فسد
من كان هذا حبّه .. فإنما يبغي الولد

[مُتلازمة القلب المفطور (المكسور) - Broken Heart Syndrome]
فضلاً عن سقم الحبّ وآلامه، فإنّ كتب الأدب عامرة بقصص العشق التى أوردت أصحابها موارد الهلاك، فقيل: "ومن الحبّ ما قتل"..
    -هل حقّاً من الحب ما قتل؟
كنتُ حتّى عهد قريب أظن أن هذه النّوعية من القصص إنّما هي من وحي الرواة، أوممّا يقتضيه الفنّ الأدبيّ من مُبالغة تصل حدّ الكذب، بل والإختلاق.. لكنّ دراسة حديثة لجامعة جون هوبكنز الأمريكية أكّدت أنّ ما يُسمّى أدبيّا بـ القلب المفطور أو broken heart من المحتمل أن يؤدي الى الوفاة (عند سماع أخبار سيئة عن الشخص المحبوب مثلاً) وهذا أيضأ ما توصّلت له دراسة بريطانية أخرى

يقول ابن الفارض (سلطانُ العاشقين، وإمام المحبّين):
هو الحبُّ فاسلم بالحشى ما الهوى سهل .. فما اختاره مُضنى به وله عقلُ
وعش خالياً، فالحبُّ أوّله عنىً .. وأوسطه سقمٌ، وآخره قتل

لكم خالصُ الحُبّ والودّ

10 بصمات:

صــفاء يقول...

نعم، تدوينة واحدة لا تكفي للإحاطة بالفكرة من جميع الجهات . لكن ما سطرته هنا قد كفانا . فقد سلطت الضوء على الجوانب الاكثر عملية والاكثر انتشاراً.

والحب هو الحب .. بغّض النظر على كثرة الكلمات اوشحّها!

وفقكم الله ..:)

رحمَة غنايم يقول...

السلام عليكم
تدوينة جيدة وقيمةو ما شاء الله عنك
سلمت يُمناكم, وبوركت جهودكم
وكما ذكرت الاخت صفاء, فقد سلطت الضوء على عدة جوانب..
ومنكم نستفيد أخي :)
بارك الله بكم

غير معرف يقول...

رائعــــــــــــــــــــــة! :)

اســـــــــــــــــــــتمـر :D

غير معرف يقول...

أجمل ما يميّز الحبّ هو أنّه فلسفة جنونية..!
تسلب من الفلاسفة عقولهم ليبدعوا بجنون..
ولكلّ منّا تعريفه للحبّ فلا أحد يذوق نفس المُدام والعلقم..!
\\
أخي محمّد تميّز أستشعره في موضوعك..!
فــدائماً علّمنا مما علّمك الله!
//
هُـ ـدى !-!

غير معرف يقول...

أولا : رأيي من ناحية المبدأ أن موضوع " الحب " موضوع خاص جدا بالنسبة للإنسان و زوجه لا يتحدث في تفاصيله مع شخص ثالث !
ثانيا: على الإنسان أن يتجنب الفتن و أن أغلب ما يسمى " قصص الحب " خارج نطاق الزواج هو ناتج عن وهم أو " مرض " كما يقول المدون بأن يوهم الإنسان نفسه برابطة عاطفية أو نفسية بينه و بين شخص مانتيجة مجرد إعجاب بصفة ما في هذا الشخص و هذا له آثار جسيمة الضرر
ثالثا : على بعض الحمقى الذين يروجون للفكرة التي يسمونها " الحب قبل الزواج " أن يفهموا أن الزواج بين شخصين ليس أمر حتمي الحدوث لأسباب كثيرة أبسطها أن يثبت الفحص الطبي قبل الزواج عدم صلاحية هذا الزواج من ناحية وراثية للأبناء كما يعلم المدون ! لذلك الأمر لا يتجاوز فكرة " القبول و التوافق " قبل الزواج بمعنى ألا يربط الإنسان نفسه بشخص آخر ليس بينه و بينه أي رابطة شرعية بارزة للمجتمع و ألا يعتقد أن فلان أو فلانة " يجب ! " أو سيكون حتما زوجه لأن هذا مرده لقضاء الله و قدره فقط
رابعا : هناك من يعتقد أن المدون يفكر كثيرا في أشياء أخرى غير الطب ! و هذا غير صحيح بحسب ما اظن لأن الإشارة لموضوع ما لا يعني كثرة التفكير فيه
أخيرا : " الحب " جميل و إيجابي لكن بين المرء و زوجه فقط !

مُحمــّد [توك] يقول...

الأخت هدى @
أهلاً بك، يُسعدني مروركم
--
غير معرّف @
قبل كلّ شيء أهلاً بكم، مشاركتكم أسعدتني..
"أولاً"- أتفق معك أن " موضوع الحب موضوع خاص"،
وأوضّح انّنا هنا لا نتحدث في الحبّ، بل نتحدّث عن الحب (!)، وهذا الأخير أمر ليس شخصيّاً

بخصوص "ثانياً" و"ثالثاً" أوافقكم الرأي الى حدٍّ كبير، لكنّي أقول أنّني في هذه التدوينة لم أقحم آرائي الشخصية ولم أشر إليها، وحتّى الآن أحتفظ بها لنفسي :)

بخصوص "رابعاً" فشكراً لحسن ظنّكم =)
أمّا "من يعتقد أنّي أفكر بأشياء غير الطبّ" ، فسواءٌ صحّ اعتقاده أم لم يصحّ، فـ أعتقد أنّ هذا الأمر ليس من شأنه..

جزاكم الله خيراً

أحمد محمد شمسان يقول...

راااااااااائع دكتور
أكثر ما أعجبني و مسألة : الحب احتياج قائم بحد ذاته
لقد خضتُ صراعاً مريراً مع البعض مدافعاً عن فكرة التفريق بين الحب و الغريزة

و لعلمك سمعتُ مرة في الجزيرة تقريراً حول بحث أجري في الغرب يشير إلى كثرة وفاة أحد الزوجين الكبيرين بعد وفاة الآخر بفترة قليلة (للعجزة حب قاتل كذلك!!)

كمونة يقول...

مقالة جيدة الحبك ,, رفيعة الأسلوب ,, ثرية المعلومات ..
شكرا لك

غير معرف يقول...

بارك الله فيك أخي محمد
مقالة رائعة أجدت في تسلسلها وفي تعريف الحب
ومن ناحيتي هي أن حب الله جل جلاله هو الطريق إلى الراحة الأبدية وطيب العيش في الدنيا والآخرة.
تقبل ودي وتقديري

غير معرف يقول...

شكرا علي الموضوع الاكثر من رائع لانني اعتبر الحب اروع حاجة خلقت في الكون عموما وفي النفس البشرية خصوصا فهو لا يحتاج الي تحليل طبي او ادبي لانه جزءا لا يتجزء منا وانا هنا لااتحدث عن الحب الخاص الذي يكون بين العشاق انا هنا اتحدث عن حب العبد لخالقه وحب الام لولدها وحب الولد لوالديه وحب الصدقاء والحب في الله اما عن الحب بين الجنسن الذي لربما يتحول الي عشق فهو حب غالبا مايكون في سن المراهقة حيث تكون العواطف الطائشة الغرائز المشتعلة انا هنا لا اقول ان هذا الحب ليس صادقا فهو حب صادق ينبض من القلب لان القلب في هاذه المرحلة هو الذي يتحكم في العقل ولهذا احكم عليه انه طائش مبني علي اعجاب شهوة غريزة جنسية وقبل الختام اقول من منا لايتمني ان يحب او ينحب ويعيش مع من احب يبادله نفس الشعور يتكم مع عينه التي عشقها بجنون يقول له كل مايجول في خاطره يعيش معه الي البد لاكن تحت مسمي الحب الشريف الذي لايكون الا تحت بيت الزوجية فلا نعلم لربما تبدء القصة بنضرة و تنتهي بزواج ......هذه نضرتي الشخصية تقبلو تحياتي

إرسال تعليق

اترك بصمة.. و اعلم أن هناك من يقتفي الأثر