18 نوفمبر، 2016

تحسين النسل

قبل الحرب العالمية الأولى ظهرت صرعة علميّة سميت علم تحسين النسل eugenics كانت ترمي إلى تحسين النسل البشري عن طريق تحسين خصائصه الوراثيّة، وكثير من العلماء تحمسوا لها بشكل جارف، فأجروا على نطاق واسع تجارب غير إنسانية على البشر في أوروبا وأمريكا واليابان، وتبناها هتلر لاحقًا فقرر إبادة المعاقين في محرقته.

هذه الأيام كثير من الدول تطلب فحصًا طبيًّا قبل الزواج للأمراض المنقولة وراثيّا كالثلاسيما وتمنع الزواج لو وجدت احتماليّة حمل الأبناء لها، والدول التي تسمح بالإجهاض تجري فحوصات للأجنة خلال الحمل وتسمح بإسقاطهم لو كانوا مصابين بتشوّهات كبيرة ولا علاج لها. وهذا يبدو لي بغض النظر عن الحكم الشرعي تجاهه مسوّغًا ومقبولًا.

لكن أحيانًا تجد من يضع كل تصوّره المناسب للحياة الإجتماعية بناءً على حقائق طبيّة مجتزأة ووجهة نظر مفرطة في الماديّة والسطحيّة وأحادية النظرة، مثل مواضيع العمر المناسب للزواج وبناءً عليه العمر الملائم للولادة وعددها، ومثل قضايا تعدد الشركاء الجنسيين أومثليّتهم.
هذه قضايا يمكنك باختلاف زواية نظرك أن تجد حقائق طبية تدعمها وحقائق أخرى تبين ضررها، ليس ثمّة شرّ مطلق ولا خير مطلق، لكن الناس بجتزئون الحقائق ليدعموا تصوراتهم بطريقة اعتباطية. مع أن الجانب الطبي من الموضوع بعد موازنته مع الجانب النفسي والمادي والمناسب اجتماعيًّا والمقرّر دينيًّا لا وزن له، إلا على مبدأ روّاد علم تحسين النسل.

10 نوفمبر، 2016

العبقريّة طبيًّا

بالثقافة الدينية قد يأتي الإبتلاء على شكل نقمة وكذلك على شكل نعمة.
يمكن أن نقول أنّ المشاكل الطبيّة كذلك؛ ثمّة أمراض عديدة تأتي أعراضها متمثّلة في مواهب غير طبيعية مثل متلازمة ساڤانت، المصاب بهذه المتلازمة يعاني من ضعف شديد في الذكاء والقدرات العقليّة حتى إنه لا يستطيع العناية بنفسه، لكنّ من أعراضها الأخرى أنه يتميّز بذاكرة خارقة جدًا، مثل الشخصية المشهورة التي توفّيت قبل عدة سنوات والذي صوّرت حياته في الفيلم الأمريكي (رجل المطر)، فقد كان يحفظ عددًا هائلًا من الكتب في مختلف المجالات عن غيب مع أرقام صفحاتها.. وشبيه به حالة سبق وأن رأيتها على إحدى القنوات الدينية لشخص يحفظ القرآن غيبًا مع حفظ أماكن الكلمات والصفحات والأحزاب مع أنه يعاني من تخلف عقلي.

مثال مرضي مشهور أيضًا لكن مختلف بطريقة ألطف، وهو متلازمة أسبرغر، وهي تعتبر من عائلة أمراض التوحّد. المصاب بها يعاني من ضعف شديد في التواصل الإجتماعي، وعدم فهم المجاز والكناية مع القدرة على فهمها لو شرحت له، ومن ضمن أعراض هذه المتلازمة تأتي مواهب إما موسيقية أو فنية أخرى كالرسم، أو موهبة عقلية كأن يكون بارعًا في حل المسائل الحسابية. 
شخصية شيلدون كوبر في مسلسل ذا بيغ بانغ ثيوري تعتبر مثالًا تقليديًّا للمصابين بمتلازمة أسبرغر.

هذه الحالات قد تُفسّر في السياق الإجتماعي والشعبي على أنها معجزة أو في السياق الديني على أنّها كرامة، لكنّها طبيًّا ليست سوى عرضًا مرٓضيًّا.

6 نوفمبر، 2016

لو لم أدري..

ما أكثر ما كانت تستفزّني عبارة بيجوفيتش المشهورة: "لو لم أدري لكان حزني أقل"، ما أكثر ما كنت أستغرب قلّة المنطق فيها؛ كان يبدو لي أنّه يُفترض به إن لم يدري فلن يحزن أبدًا، هكذا قياسًا على بديهة المنطق، ولربّما لو شئنا أن نفلسف الأمر قلنا لو لم يدري لكان حزنه أكثر لأنّ "ذو الجهالة في الشقاوة ينعم". ولأنّ "إذا ما كنت لا تدري فالمصيبة أعظم".

لكن لا، لبيجوفتش كلّ الحقّ. احساس الإنسان في كثير من الأحيان تجاه حقيقة معيّنة يكون قويًّا، وخبرته تجعله شديد الثقة بحدسه لكن ما دام لا يدري بها على الوجه التحقّق واليقين.. لو لم يختر المواجهة ويتحرّى عنها يظلّ بإمكانه تجاهلها والتكيّف مع حزنه الأقل حيالها.. حزنه الأقلّ من حزن التيقّن منها. يبقى بإمكانه مواساة نفسه بـ"ربّما"، وربّما هذه تدفعه لالتماس سبعين عذر تكن درعه الحامي من نهش الحقيقة التي ستأكل قلبه ثم تمجّه.
صحيح أنّ ثقته غير المكتملة ستزعج كثيرًا لكنّ الدراية الكاملة عيانًا بيانًا مع العجز عن إصلاحها نقطة عدم رجوع، موجعة مثل جرح مفتوح للهواء لا تستطيع معه صبرًا ولا تغييرًا.
اللون الرمادي أحيانًا خير الألوان، ولا تنقّبوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.

12 يوليو، 2014

كيف غُيّرت نظرة العرب تجاه فلسطين


[البحث عن شمّاعة]
من وقت كانت فيه قضية فلسطين قبلة العرب ومركز اهتمامهم.. لوقت أصبح فيه غاية المنى شرح قضية فلسطين للعرب ومحاولة إقناعهم بعدالة قضيّة فلسطين، ما الذي حدث باختصار؟

نعود لأصل الحكاية، بعد النكبة كان الأصوات تنادي بفتح باب التطوّع وتدخل الجيوش لتحرير فلسطين، فتدخلت الجيوش لكن بالإنقلابات لتحكم دولها بالحديد والنار متعذرة بإصلاح الداخل قبل تحرير فلسطين.

بعد حوالي 15 عامًا كان لا بدّ من البحث عن حجّة جديدة، وإيجاد مهرب من ضغط الشعوب؛ فاخترعت الأنظمة العربيّة منظمة التحرير الفلسطينية؛ لتحميلها عبء القضية وازاحتها عن كاهل الأنظمة. وأصبح الخطاب الرسمي للدول العربية يقول لشعوبه إنّ للفلسطينيين منظمة تحرير تتولى مهمة تحرير فلسطين.

[ما للمنظّمة وما عليها]
في الحقيقة تجربة المنظمة رغم النوايا السيئة التي اكتنفت تشكيلها، كانت تجربة واعدة لولا أن استولت عليها حركة فتح بعد النكسة، فبعد أن استلمها ياسر عرفات (والذي كان أشبه برئيس عصابة وليس حركة تحرّر) صبّ كل اهتمامه على فتح قنوات للتفاوض مع اسرائيل وإقامة شبه دولة على أيّ قطعة أرض محررة أو شبه محررة.

كانت المنظمة في البداية هيئة سياسية لا أكثر، رأسها الفلسطيني أحمد الشقيري (ليس الداعية السعودي طبعًا)، وبعد النكسة استقال الشقيري واستلمها ياسر عرفات ليحكمها من ذلك الحين وحتّى وفاته بشكل فردي.

المهم أنّها من حيث التأسيس لم تكن فلسطينية، ولاحقًا لم يكن أعضاؤها فلسطينيين بشكل حصري (في غمرة المدّ القومي وفوران المشاعر الوطنيّة كان العرب يتقاطرون للمشاركة فيما سمي الثورة الفلسطينيّة). لكن جرى بقصد وسوء نيّة اختزال القضية الفلسطينية فيها، واختزال التمثيل الفلسطيني بكيانها.

في البداية كانت المنظمة تتواجد في الأردن لكنّ النظام الأردني لم يتعاون معها وهي بدورها فرضت نفسها بالقوّة وأساءت استخدام السلاح وأصبحت تتدخل في شؤون الأردن فوقعت مذابح أيلول سنة 70 وطردت إلى لبنان. في لبنان حاولت أن تستفيد من أخطاءها لكن ليس بدرجة كافية، فجرّها اليمين الللبناني الفاشي للمشاركة في الحرب الأهلية وبعد احتلال إسرائيل للبنان سنة 82 نفيت إلى تونس.

الوجود الفلسطيني في الأردن كان حياديا ولم يتأثر بطرد المنظمة، وكذلك الحال في لبنان. لكنّ الأنظمة العربية واليمين العربي كانوا يستغلون أخطاء المنظمة ليحمّلوا وزر انحرافها لعموم الفلسطينيين من أجل تكريس عدائيّة تجاه الفلسطيني وتاليا من أجل التنصّل من الواجب تجاه فلسطين.

بعد فشل المنظمة الذريع في الأردن ولبنان، قامت الإنتفاضة الأولى تعبيرًا عن الضيق بهذا الحلّ. فقامت المنظمة والأنظمة العربية بالتعامل مع فلسطين كمجرد حالة إنسانية يتلخّص الواجب تجاهها بالعطف والإحسان والتصدّق. [العجيب إنّ حتى هذا الإحسان كان مجرد ضحك على اللحى! لأن التبرعات كانت أغلبها من الفلسطينيين الذين كانوا يعملون بالخليج حيث كان يقتطع من رواتبهم وتحوّل تلقائيا لمنظمة ياسر عرفات]. خلال ذلك بدأ استخدام الدول الرسمي للحركات الإسلامية التي كانت تكتفي بالدعاء وتحثّ الشعوب على قيام الليل لنصرة فلسطين.

سنة 90 اختار ياسر عرفات الوقوف بجانب صدام حسين في غزوه للكويت.. فقام النظام الكويتي بعد تحرير الكويت بشكل انتقامي بطرد مئات آلاف الفلسطينيين من الكويت الذين كان لهم دور بارز في نهضة الكويت (مع أنّ أغلبية الفلسطيين وباقي المنظّمات الفلسطينية كانوا معارضين للغزو!).

النظام الرسمي لتبرير خطوته المتعسفة كان يروّح بأنّ الفلسطيين كانوا "بعثيّين" وبأن دورهم كان مشبوها أثناء الحرب (الفلسطنيين كانوا من الأطباء والمهندسين والمتعلمين ورجال الأعمال.. واتهموا بتهم سخيفة كالسرقة أو أنهم ساعدوا الجيش العراقي).

[تكامل الأدوار]
الفلسطينيّون في الداخل كانوا يشعرون على الدوام بمرارة الخذلان العربي، عرفات كان يسوّق تخلّي الأمة العربيّة عن فلسطين للفلسطيين ليتحجج بأنّه لا مفرّ أمامه سوى التفاوض مع إسرائيل، والأنظمة كانت تتحجج لشعوبها بتفاوض عرفات بأن الفلسطينيين قد سلّموا للأمر الواقع وباعوا قضيّتهم (تكامل بليغ في الأدوار).

بعد الإنتفاضة الثانية كان دور الجهاديين قد انتهى وأصبحت الدول العربية تستخدم الليبراليين الذين يتماهون بشكل تامّ مع الدعاية الصهونيّة.. يتضح هذا بجلاء في السعودية ومصر، قبل أيّام وأنا أتابع تغطية الإعلامين المصري والسعودي أقول إنّ الشعوب تتبنّى اراءها على الحقائق المتوفّرة لها.. هل يمكن أن نحسن الظنّ بالشعوب العربية لنقول الذنب ليس ذنبهم لانه فقط يساء توصيل الحقائق لهم.. ولذلك يتبنّى البعض منهم مواقف صهيونيّة؟!

الأكيد أننا أحوج ما نكون لإعادة كتابة تاريخنا لنبدأ إصلاح هذا الخلل.
والأكيد أن ما نراه اليوم ليس وليد الأحداث الراهنة ولا حتى السنوات القليلة ماضية.

6 يناير، 2013

المرض الوحيد الذي استطاع الإنسانُ القضاءَ عليه

[حالة نجاح]
فيروس الفايرولا
في أواخر عام 1979 أعلنت منظمة الصحّة العالميّة القضاء نهائيًّا على مرض الجدري smallpox ليكون المرض الأوّل، والوحيد حتّى اليوم، الذي تستطيع البشريّة الإنتصار عليه.

يعود تاريخ المرض إلى نحو 10 آلاف عام قبل الميلاد، وقد تسبّب بوفاة 300-500 مليون شخص خلال القرن العشرين، وقبل 10 سنوات فقط من القضاء عليه كان عدد المصابين به حوالي 15 مليونًا، تسبّب بوفاة 2 مليون منهم.
ينشأ المرض بسبب عدوى فايروس يُدعي فاريولا ينتقل عبر الجهاز التنفّسي (وهو بالمناسبة يختلف عن "جدري الماء" chickenpox الذي يصيب الصغار عادةً ويُدعى اختصارًا الجدري، لكنّهما من نفس العائلة وتتشابه أعراضهما).
وقد أوصت منظمة الصحّة العالميّة بتدمير عيّنات هذا الفايروس من المعامل والمختبرات بعد القضاء على المرض، إلّا أنّ أمريكا وروسيا ما زالتا تحتفظان بعيّنتين من الفايروس في مدينتيّ كوتسفو الروسيّة وأتلانتا بولاية فرجينيا الأمريكيّة تحت حراسة مشدّدة، بحجّة أنّه قد يفيد في الأبحاث العلميّة والدراسات البيولوجيّة مستقبلًا (وربّما للإرهاب البيولوجي والتصدّي له).
ومنذ 1986 توقّفت المنظمة عن تزويد اللقاحات المضادّة للفايروس لانتفاء الحاجة إليها في جميع أنحاء العالم.

[كيف استطعنا الانتصار على فايروس الفاريولا المسبّب للجدري؟!]
رغم أنّ المرض/ الفايروس سهل العدوى، إلا أنّه يتميّز بصفتين مهمّتين يسّرتا القضاء عليه:
 - الميزة الأولى أنه لا يصيب سوى الإنسان، على العكس من معظم الأمراض؛ فعلى سبيل المثال يصيب الفايروس المسبّب لمرض جدري الماء الشامبانزي والغوريلا فضلًا عن البشر.
وبما انّ الفايروس لا يعيش طويلًا خارج الجسم فإنّ علاج جميع الحالات المصابة بهذا الفايروس (أو وفاتها على أسوء تقدير) سيعني نظريًّا القضاء على الفايروس، بعكس الأمراض الأخرى إذ يمكن أن تنتقل مرّةً أخرى إلى الانسان عن طريق الحيوانات التي يتعذّر علاجها جميعًا أو حتى القضاء عليها.
 - الميزة الثانية أنّه ورغم أنّه يوجد شكلين من الفايروس variola major & manor فإنّ الفايروس لا يتعرّض لطفرات جينيّة تغيّر من شكله الذي يحتفظ جهازنا المناعيّ بصورته، على العكس مثلًا من مرض الإنفونزا الذي يمرّ موسميًّا بطفرات تغيّر من شكل المولّدات المضادّة antigens الموجودة على سطحه ما يجعله أشبه بفايروس جديد لا يتعرّف عليه جهازنا المناعي ولا تجدي اللقاحات في التصدّي له.

31 ديسمبر، 2012

خلايا (هنريتا لاكس) الخالدة

[المرأة الأهمّ في تاريخ الطبّ]
بعد معاناة هنريتا لاكس (المرأة الأمريكيّة من أصول أفريقيّة والمولودة سنة 1920) من مشاكل صحّية في رحمها مطلع عام 1951، زارت مستشفى جون هوبكنز الذي قام بارسال عيّنة من ورم اكتُشف في رحمها إلى معمل الدكتور جورج أوتو.
حيث لاحظت الدكتور أوتو في مختبره أنّ خلايا هنريتا لاكس قد نمت وانقسمت في المختبر، وذلك على غير ما هو معروف عن الخلايا البشريّة.
تبيّن أنّ هنريتا مصابة بسرطان عنق الرحم، وتوفّيت بعد ذلك بعدّة أشهر.. لكنّ خلاياها بقيت حيّةً لتنقذ حياة الكثير من البشر، ولتُسهم -دون علمها وقصدها- بتقديم أجلّ الخدمات للبحوث العلميّة (على الأرض وحتّى في السماء!)، ولدراسة اللقاحات؛ ما جعلها بلا منازع أهمَّ امرأة في تاريخ الطبّ.


[خلايا هيلا Hela Cells]
صورة لخلايا هيلا في طور الإنقسام
أطلق على هذه الخلايا المزروعة اسم خلايا هيلا، مشتقةً من أوائل حروف اسمها Henrietta Lacks، وقد قام الدكتور جورج أوتو بالتبرع بها للكثير من المعامل وعرضها على العلماء متيحًا لهم الاستفادة منها ودراستها، يُقدّر كميّة ما استنسخ إلى 50 مليون طنًّا من خلايا هيلا استُخدمت في الأبحاث العلمية ودراسة اللقاحات:
1) انتشر سنة 1952 وباء شلل الأطفال، وقد استخدم خلايا هيلا في دراسة لقاح ضدّ المرض أسهم في حماية ملايين الأرواح.
2) استفيد من خلايا هيلا في التوصل وفهم الاستنساخ، وتلقيح البويضة خارج الرحم.
3) عن طريق خلايا هيلا توصّل العلماء إلى أنّ عدد كروموسومات الإنسان 23 زوجًا.
4) عن طريق خلايا هيلا اكتشف دور انزيم التوليريميز في معالجة السرطان، وهو ما قدّم أساسًا لأدوية معالجة السرطان الحاليّة.
5) أرسلت خلاياها إلى الفضاء لدراسة أثر أنعدام الجاذبيّة على الخلايا البشريّة.

12 ديسمبر، 2012

نظريّة المؤامرة حول الأدباء


ظهر مصطلح نظريّة المؤامرة (Conspiracy Theory) في بدايات القرن العشرين، وهو محاولة لشرح السبب النهائى لحدث أو سلسلة من الأحداث (السياسية والاجتماعية أو أحداث تاريخية) على أنها أسرار، كثير من منظّمي نظريّات المؤامرة يدّعون أنَّ الأحداث الكبرى في التاريخ قد هيمن عليها المتآمرون وأداروا الأحداث من وراء الكواليس.
دائمًا يُتطرّق إلى نظريّة المؤامرة في السياسة، لكن القليل يعرف أنّ هذه اللوثة موجودة في عالم الأدب والأدباء كذلك.
متعدّدة هي نظريّات المؤامرة التي تدور، أو توجّه للأدباء وكتاباتهم.. من بينها الإتهامات الجديدة للكاتبة جي كي رولينج حيث اتهمتها  مؤخّرًا كاتبة نرويجيّة بأنّها ليست هي كاتبة سلسلة روايات هاري بوتر وإنّما مجموعة كتّاب مستأجرين. إلى اتهامات قديمة للشاعرة فدوى طوقان بأنّها تنتحل شعر أخيها ابراهيم، وغيرهنّ من الأديبات والأدباء، أتعرّض في تدوينتي هذه إلى نموذجٍ عربيّ وآخر غربيّ.


[شكسبير]
الأديب العالمي الأشهر شكبير، واحد من أهمّ الذين دارت حولهم شبهات مؤامراتيّة، فعربيّا زعم عديدون (أوّلهم الصحفي اللبناني أحمد فارس الشدياق المولود سنة 1804، وآخر القذّافي المتوفّى هذا العام) بأنّ شكسبير ما هو إلّا أديب عربيّ مولود في سوريّة واسمه الشيخ زبير رحل في وقت لاحق من حياته لانجلترا ليكتب فيها أعظم مسرحيّات عالميّة.



أمّا غربيًّا، فتعرّض شكسبير لنوع آخر من الإتهام، إذا كان يتمّ التشكيك بأن يكون شكسبير نفسه هو كاتب رواياته، عادت بقوّة إلى الواجهة هذه الإتهامات نهاية العام الماضي بعد عرض فيلم "المجهول Anonymous  للمخرج الألماني رولاند ميرتش، يتّهم شكسبير بشكل مباشر بأنّه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وأنّ كلَّ أعماله كانت من تأليف أديب وكاتب هو «إدوارد دي فيري» الذي كان معروفًا باسم «أيرل أوكسفورد» والذي كان ينتمي لطبقة النبلاء وأنّه لم يستطع أن يضع اسمه على هذه المؤلفات بسبب انتماءاته الطبقية والتي ترفض أن يقترن اسم أحد أبنائها أو المنتمين إليها بهذه الصورة التي كانت مرفوضة بالنسبة لهذه الطبقة ومن هنا خرجت هذه الأعمال مقترنة باسم ويليام شكسبير الذي كان مساعدًا لأوكسفورد.
جرى تصوير الفيلم في ألمانيا، وعرض في عدّة بلدان غربيّة وعربيّة (من بنيها مصر وقطر) نهاية تشرين الأول 2011، وأثار سخطًا في بريطانيا.


[أحلام مستغانمي]
أمّا الأديبة الجزائريّة فقد تعرّضت روايتها (ذاكرة الجسد) لاتهامات عديدة، من أشهرها اتهام صحفيّ تونسي بأنّ الكاتب الحقيقي للرواية هو الشاعر العراقي سعدي يوسف، أو بالأحرى كان "يعيد كتابتها" حيث كانت تربطه بالأديبة علاقة صداقة، ردّ عليه الشاعر بأنّ قراءته للرواية لم تتجاوز التعليق على إملائها ونحوها.

أحد أهمّ الانتقادات للرواية ظهرت في كتاب (قصّة روايتين) للناقد المصري رجاء نقّاش، حيث عقد في كتابه مقارنة بين رواية أحلام المذكورة، ورواية السوري حيدر حيدر (وليمة لأعشاب البحر)، خلص من دراسته إلى أنّ رواية أحلام مسروقة نظرًا للتشابه الكبير بين الروايتين في أحداثهما وشخوصهما وعموم القصّة.

30 نوفمبر، 2012

جواز فلسطيني وختم عبري

كنت على الدوام مدركًا أنّنا دولة تحت الإحتلال لكنّ ما أراه وما أسمعه كان يوهمني بأنّ لدينا سلطةً على الأقل؛ أذكر أنّ يوم دخول السلطة بعد اتفاق أوسلو المشؤوم كان بمثابة عيد كبير، وأذكر أنّنا كنّا -ولا نزال- نعطّل يوم 15\11 سنويّا بمناسبة يوم الاستقلال (استقلال؟) وهو ذكرى اعلان ياسر عرفات للدولة الفلسطينيّة (من الجزائر!). وأذكر انّي عندما وصلت الصفّ السادس استُبدلت المناهج الدراسيّة الأردنيّة التي كنّا ندرسها بأخرى فلسطينيّة (أليس لدينا دولة؟)

ربّما كانت صدمتي الأولى في ادراك الدولة المسخ، دولة أسلو، عندما سافرت لأوّل مرة خارج الفلسطين، حيث رأيت حدودًا بكاملها اسرائيليّة، ولا يوجد دور أو حضور يُذكر لدولتنا العتيدة، فمع أنّي كنت أحمل جواز سفر فلسطيني إلا أنّه خُتم عليه بختم عبريّ، ولا يوجد عليه حتى اللحظة ختم يشير للدولة التي أتيت منها! (الفلسطينيّون في الضفّة الغربيّة يستطيعون حمل جواز سفر فلسطيني أو أردني أو كليهما معًا والاحتفاظ بهما).

ما زلت أعتقد أنّ لتلك الصدمةً فضلًا عليّ، إذ مثّلت لي مناعة لتفهّم وإدراك أشياء كثيرة، فبتّ أؤمن يقينًا أنّ الأصل في تاريخنا (وربّما وقعنا!) أنّه مكذوبٌ علينا.. ما لم يثبت العكس.

لست مكترثًا بدولة أبو مازن، فلست أعوّل عليه ولا على الأمم المتحدة، كما أنّ تنازلاته ليست جديدة ومكاسبه مكذوبة، وخطواته عبثيّة، لكن المؤسف هو هذا التكرار المملّ.

29 نوفمبر، 2012

"القدس قبل عشرين عامًا"


القدس قبل عشرين عامًا هي الزاوية الثابتة (والمفضّلة لديّ) التي تنشر فيها جريدة القدس المقدسيّة صورةً لصفحتها الأولى قبل عشرين عامًا.

في مشهد سرياليّ وتراجيديّ متكرّر تبدو هذه الأخبار غالب ألأحيان صورة عن واقعنا الحالي.. فهذه الأيّام يشدّ محمود عبّاس رحاله السنوي نحو الأمم المتحدّة لنيل عضويّة غير كاملة لدولة فلسطين، الخبر نفسه والحماس نفسه، والمعارضة نفسها لما فعلته القيادته نفسها قبل نحو عشرين عامًا في مسار المفاوضات التنازلي.

يقول محمود عبّاس، عندما سُئل عن خططه لما بعد هذه الخطوة، إنّه سيعود للمفاوضات مع اسرائيل لتفعيلها. لا أعرف اذا كان محمود عبّاس سمع بقول اسحاق شامير "سنبقى نفاوضهم إلى ما لا نهاية"، لكنّي أخشى أنّ أخبار هذا العام ستكون نفسها هي أخبار القدس "بعد عشرين عامًأ".

8 يوليو، 2012

مشروع المايكروبيوم البشري

[حقيقة]
خريطة تفاعليّة لاستكشاف أهمّ الكائنات الحيّة
حسب مواقعها في الجسم
هل تعلم بأنّ الجسد البشري يحتوي من البكتيريا والفطريات والأحياء الدقيقة الأخرى على عشرة أضعاف عدد خلاياه؟!

[أرقام]
في العام 2008 أطلق المعهد الوطني للصحّة في أمريكا مشروعًا لاستكشاف ودراسة هذه الكائنات، بطإر زمني 5 سنوات، ورُصد له نحو 115 مليون دولار. أُجريت الدراسة على 300 متطوّع، أُخذت منهم أكثر من 5000 عيّنة ووُجدت فيها أكثر من 10 آلاف نوع مختلف من الأحياء الدقيقة. وحتى هذا العام نُشرت حول المشروع اكثر من 100 ورقة بحثيّة.
كان من أهمّ اهداف المشروع ايجاد التسلسل الجيني لهذه الأحياء، وكشف العلاقة بينها وبين الأمراض التي تصيب الانسان.

[معلومات]
يُطلق على الأحياء  التي تعيش على جلد الانسان وفي أحشائه مصطلح (normal flora) وتتكوّن بشكل رئيسيّ من أنواع مختلفة من البكتيريا، وبشكلّ أقلّ فطريّات والطلائعيّات (أولّيات كائنات وحيدة الخليّة).

كثير من هذه الأحياء تقدّم منفعةً للمُضيف البشريّ (مثل المساعدة في امتصاص الغذاء وبناء الفيتامينات في الأمعاء)، بينما بعضها الآخر طفيليّ، قد يسبّب أمراضًا للجسم في حالة ضعف المناعة لديه (مثل عند الاصابة بالايدز، أو الاستخدام المطوّل لمضادّات الالتهاب التي تكبح جهاز المناعة) ويطلق عليها العدوى الانتهازيّة. ويُقدر عموم عدد هذه الأحياء بعشرة تريلونات كائن حيّ.

معظم أنواع البكتيريا والأحياء تفضّل أن تستوطن أنسجةً معيّنة دون غيرها؛ فمثلا تستوطن بكتيريا الإي كولاي الأمعاء، أمّا في حالة وُجدت في المثانة فإنّها تسبّب التهابها. وعدّة أنواع البكتيريا الكرويّة توجد بشكل طبيعي في الفم والحلق لكنّها تسبّب إلتهاب القلب إذا ما تسرّبت إلى مجرى الدمّ (تحدث هذه الحالة عند خلع السنّ).

يكون الجنين في الرحم "معقّمًا"، لكن بمجرّد مروره في قناة الولادة وانفتاحه على العالم الخارجي تبدآ ملايين البكتيريا بالاستيطان فيه. ليس مفهومًا بعد بشكل وافٍ لماذا لا يتعرّف جهاز المناعة عليها ولا يهاجمها لاحقًا، لكن من بين النظريّات التي تفسّر ذلك: أنّها تستوطن الجسم في وقت لا يكون فيه جهاز المناعة لم يكتمل تشكّله بعد؛ وفيما بعد يتكيّف مع وجودِها.
رسم بياني يوضّح أنواع وكثافة أنواع الكائنات الحيّة حسب مكان تواجدها

2 يوليو، 2012

لـو كان الحُبُّ حُبّــًا!

[الاسم vs. المُسمّى]
في كتاب (سايكولوجيا العلاقات الجنسيّة) يذكر عالم النّفس الشهير ثيودور رايك قصةَ شابٍّ أتى عيادته لاستشارة نفسيّة.

كان يشكو الشابّ من طبيعة العلاقة بينه وبين رفيقته، ويتذمّر من طريقه تعاملها معه: "إنّها نزّاعة للتملّك، وعلى الدوام تريد أن تتمسّك بي، وتتشبّث وتقبضُ عليّ. إنّها لا تعتقني ولو ليومٍ واحد  (...) إنّها تحرصُ عليّ وإنّها تحبّني كلَّ الحبّ.. لـو كان الحبّ حبًّا!"

يعلّق المؤلّف على ذلك:
"كان عبارته الأخيرة والتي نطقها بطريقةٍ نزوية، تخطر على ذهني كلّما كان عليّ أن أعالج الذين الذين يعانون من مصاعب في حياتهم العشقيّة.
ما قصدَه بهذه العبارة واضحٌ تمامًا. إنَّ ما يدعوه النّاس حُبًّا ليس حبًّا أبدًا.. إنّه شهوة السلطة، حافز للانتزاع، أو رغبة جنسيّة خام.

لو أنّ ما يُدعى حُبّا كان مجرّد توقٍ للرفقة، واهتمام برفاه الآخر، وأخذ وبذلٍ للحنان وقبول بعيوب الآخر، لكانت الحياة رائعة. إنّ عبارته لا تنكر وجود الحبّ، لكنّها تشكو من طبيعته.

"لا بدّ أن نقرَّ أنّ المريضَ معذور إلى حدٍّ بعيد في صرخته "لو كان الحبّ حبًّا" فكلّ ضروب الانفعال يُطلقون عليها اسم الحبّ. يا لهذه الكلمة كم أسيءَ استعمالها"

[لو كان الإسلامُ اسلامًا!]
يستطردُ المؤلّف قائلًا:
"قد يقول شخصٌ متديّن، وبتوقٍ مماثل: "لو كانت المسيحيّة مسيحيّة!"
لو أنَّ ملايين البشر ممّن يدّعون الإيمان بالمسيح كانوا فقط مفعمين حقًّا بروحيّة المخلّص..
ولكنّهم لا يوالون سوى الرسالة التي تُميت، لا الرّوح التي تهبُ الحياة"

8 أغسطس، 2011

"الألفة"

[1]
منكبًّا في ورشتِهِ
يصنعُ هذا النجّارُ الكهلُ
توابيتًا للناسْ
ينسى التفكيرَ بموته..
الألفةُ تفقدهُ الإحساسْ

- عدنان الصائغ (شاعر عراقي)

[2]
Neural adaptation or sensory adaptation is a change over time in the responsiveness of the sensory system to a constant stimulus. It is usually experienced as a change in the stimulus. For example, if one rests one's hand on a table, one immediately feels the table's surface on one's skin. Within a few seconds, however, one ceases to feel the table's surface. The sensory neurons stimulated by the table's surface respond immediately, but then respond less and less until they may not respond at all; this is neural adaptation.

(medical term)
[3]
نتعوّد؟
تعرف ماذا تعلمنا يا أبي؟
ذات يوم شرحوا لنا في المدرسة شيئاً عن التعوّد.. حين نشمّ رائحة تضايقنا فإن جملتنا العصبية كلّها تنتبه وتعبر عن ضيقها، بعد حين من البقاء مع الرائحة يخفّ الضيق. أتعرف معنى ذلك؟
معناه أنّ هناك شعيرات حساسة في مجرى الشمّ قد ماتت فلم تعد تتحسّس. ومن ثمّ لم تعد تنبّه الجملة العصبيّة. والأمر ذاته في السمع، حين تمرّ في سوق النحاسين فإن الضجّة تثير أعصابك. لو أقمت هناك لتعوّدت مثلما يتعوّد المقيمون والنحاسون أنفسهم. السبب نفسه: الشعيرات الحساسّة والأعصاب الحساسّة في الأذن قد ماتت. نحن لا نتعوّد يا أبي إلا إذا مات فينا شيء.*

- ممدوح عدوان (كاتب وشاعر سوري)

[4]
وأشدُّ أنواع الصبر.. الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفةً بالعادة.
- أبو حامد الغزالي