17 مايو، 2017

عن الموقف من تطبيع زيارة فلسطين

لا تكاد تحظى قضية بالإجماع الفلسطيني والعربي تقريبًا مثل الموقف من رفض زيارة فلسطين ما دامت تحت الإحتلال، ولربما لا يخالفه سوى السلطة الرسمية في رام الله، لأنّها -في نظر الرافضين- تعدّ تطبيعا.. ولطالما اعتبر التطبيع بكافة أشكاله خيانة ولو من غير اختيار. فالفلسطيني الذي كان يضبط في دولة عربيّة بحوزته عملة إسرائيلة أو وثيقةً باللغة العبريّة كان يتعرض للتحقيق مع أنّ لا شيء -ويا للمفارقة- دون هذه الوثائق يثبت فلسطينيّته أو يمكّنه من البقاء في أرضه.

ولهذا لم يكن يجرؤ أحد على كسر هذا التابوه المقدّس حتى سنوات قلائل ماضية، فصار موضوعًا جدليًّا و(ترند) متكرّرًا كلّ حين، لأنّ أصواتًا أخرى بحسن نيّة أو سوئها بدأت تظهر، وكسر الحاجز بعدة زيارات، ربما بدأت مع زيارة الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي السعودي إياد مدني ثم المفتي المصري علي جمعة والداعية اليمني علي الجفري، ثم كانت مفاجأة أخرى لما قرر برنامج أراب أيدول جعل رام الله محطّة من محطات تصوير البرنامج. وتوالت الزيارات.
من وجهة نظر المعترضين إسرائيل تمنع ملايين الفلسطينيين والعرب من زيارة فلسطين (أيضا تمنع أهالي غزة والضفة من زيارة القدس) وهي لا تسمح بمثل تلك الزيارات إلا لأغراض إعلامية ودعائية لتسويق صورتها كبلد ديمقراطي ومنفتح. ثمّ تسمح للعربي بما لا تسمح به للفسطيني المقيم من حريّة حركة وتجاوز نقاط التفتيش المهينة. والحجة الكبرى أنّ الزيارة تستلزم تأشيرة وإذنًا إسرائيليًّا وهذا يعني إسباغ الشرعية على إسرائيل.
أمّا ما تجرأ وزارها فبررها بأنّ زيارة المسجون ليست اعترافًا بالسجان، وفي مواجهة حملات التخوين شديدة الوطأة التي تعرّضوا لها بالغوا في تبرير زياراتهم واعطائها حجمًا وأهميّة ليست ممكنة إلا في كتب الخيال وأنزلوا أنفسهم مكانة الفاتحين، فالمصري هشام الجخ زعم أنّ اسرائيل أخلت له الحرم لمدة ساعتين من المستوطنين، والبحريني مذيع mbc خالد الشاعر زعم أنّه دخل القدس تهريبًا، ومن يعيش في فلسطين قد يعتقد أنّهم يمزحون. لكنّك تعيد سماع أقوالهم مرتين لتدرك أنّهم عاشوا الدور فعلأ.
--
بغض النظر عن هذا، شخصيًا أعتبر الرفض المطلق للزيارة واعتبارها تطبيعًا "حنبلية" وظاهرية زائدة في الأخد بالمبدأ دون روحه.
الموقف من الأعمال يحدد بطبيعتها ومجرياتها والقصد من ورائها، فزيارة من يحمل صفة سياسية رسمية أو شبه سياسيّة برعاية إسرائيلية كسيّاح صهاينة للحرم القدسي -كما فعل علي جمعة والجفري- هو بالطبع أمر مرفوض جملةً وتفصيلًا.
لكن ماذا على الأفراد الذين يودون زيارة فلسطين وتوفرت لهم للفرصة؟
برنامج أراب أيدول وزيارات المثقفّين العرب في الأونة الأخيرة صاحبتهم إثارة للجدل واصدار قوائم عار، لكني شخصيًّا لا أرى فيها ما يستدعي الغضب.
طالما لم يشب الزيارة تطبيع مقصود  وفعليّ (دعك من شكليات الختم والتأشيرة) فما المشكلة الحقيقيّة؟
هناك كثير من المطبعين مع إسرائيل وفكرة وجودها، ولم يسبق لهم زيارتها. أمّا من يشغله المبدأ وروحه فلا أظن أن ختمًا سيقدح في موقفه أو شرفه.

0 بصمات:

إرسال تعليق

اترك بصمة.. و اعلم أن هناك من يقتفي الأثر