12 يوليو، 2014

كيف غُيّرت نظرة العرب تجاه فلسطين


[البحث عن شمّاعة]
من وقت كانت فيه قضية فلسطين قبلة العرب ومركز اهتمامهم.. لوقت أصبح فيه غاية المنى شرح قضية فلسطين للعرب ومحاولة إقناعهم بعدالة قضيّة فلسطين، ما الذي حدث باختصار؟

نعود لأصل الحكاية، بعد النكبة كان الأصوات تنادي بفتح باب التطوّع وتدخل الجيوش لتحرير فلسطين، فتدخلت الجيوش لكن بالإنقلابات لتحكم دولها بالحديد والنار متعذرة بإصلاح الداخل قبل تحرير فلسطين.

بعد حوالي 15 عامًا كان لا بدّ من البحث عن حجّة جديدة، وإيجاد مهرب من ضغط الشعوب؛ فاخترعت الأنظمة العربيّة منظمة التحرير الفلسطينية؛ لتحميلها عبء القضية وازاحتها عن كاهل الأنظمة. وأصبح الخطاب الرسمي للدول العربية يقول لشعوبه إنّ للفلسطينيين منظمة تحرير تتولى مهمة تحرير فلسطين.

[ما للمنظّمة وما عليها]
في الحقيقة تجربة المنظمة رغم النوايا السيئة التي اكتنفت تشكيلها، كانت تجربة واعدة لولا أن استولت عليها حركة فتح بعد النكسة، فبعد أن استلمها ياسر عرفات (والذي كان أشبه برئيس عصابة وليس حركة تحرّر) صبّ كل اهتمامه على فتح قنوات للتفاوض مع اسرائيل وإقامة شبه دولة على أيّ قطعة أرض محررة أو شبه محررة.

كانت المنظمة في البداية هيئة سياسية لا أكثر، رأسها الفلسطيني أحمد الشقيري (ليس الداعية السعودي طبعًا)، وبعد النكسة استقال الشقيري واستلمها ياسر عرفات ليحكمها من ذلك الحين وحتّى وفاته بشكل فردي.

المهم أنّها من حيث التأسيس لم تكن فلسطينية، ولاحقًا لم يكن أعضاؤها فلسطينيين بشكل حصري (في غمرة المدّ القومي وفوران المشاعر الوطنيّة كان العرب يتقاطرون للمشاركة فيما سمي الثورة الفلسطينيّة). لكن جرى بقصد وسوء نيّة اختزال القضية الفلسطينية فيها، واختزال التمثيل الفلسطيني بكيانها.

في البداية كانت المنظمة تتواجد في الأردن لكنّ النظام الأردني لم يتعاون معها وهي بدورها فرضت نفسها بالقوّة وأساءت استخدام السلاح وأصبحت تتدخل في شؤون الأردن فوقعت مذابح أيلول سنة 70 وطردت إلى لبنان. في لبنان حاولت أن تستفيد من أخطاءها لكن ليس بدرجة كافية، فجرّها اليمين الللبناني الفاشي للمشاركة في الحرب الأهلية وبعد احتلال إسرائيل للبنان سنة 82 نفيت إلى تونس.

الوجود الفلسطيني في الأردن كان حياديا ولم يتأثر بطرد المنظمة، وكذلك الحال في لبنان. لكنّ الأنظمة العربية واليمين العربي كانوا يستغلون أخطاء المنظمة ليحمّلوا وزر انحرافها لعموم الفلسطينيين من أجل تكريس عدائيّة تجاه الفلسطيني وتاليا من أجل التنصّل من الواجب تجاه فلسطين.

بعد فشل المنظمة الذريع في الأردن ولبنان، قامت الإنتفاضة الأولى تعبيرًا عن الضيق بهذا الحلّ. فقامت المنظمة والأنظمة العربية بالتعامل مع فلسطين كمجرد حالة إنسانية يتلخّص الواجب تجاهها بالعطف والإحسان والتصدّق. [العجيب إنّ حتى هذا الإحسان كان مجرد ضحك على اللحى! لأن التبرعات كانت أغلبها من الفلسطينيين الذين كانوا يعملون بالخليج حيث كان يقتطع من رواتبهم وتحوّل تلقائيا لمنظمة ياسر عرفات]. خلال ذلك بدأ استخدام الدول الرسمي للحركات الإسلامية التي كانت تكتفي بالدعاء وتحثّ الشعوب على قيام الليل لنصرة فلسطين.

سنة 90 اختار ياسر عرفات الوقوف بجانب صدام حسين في غزوه للكويت.. فقام النظام الكويتي بعد تحرير الكويت بشكل انتقامي بطرد مئات آلاف الفلسطينيين من الكويت الذين كان لهم دور بارز في نهضة الكويت (مع أنّ أغلبية الفلسطيين وباقي المنظّمات الفلسطينية كانوا معارضين للغزو!).

النظام الرسمي لتبرير خطوته المتعسفة كان يروّح بأنّ الفلسطيين كانوا "بعثيّين" وبأن دورهم كان مشبوها أثناء الحرب (الفلسطنيين كانوا من الأطباء والمهندسين والمتعلمين ورجال الأعمال.. واتهموا بتهم سخيفة كالسرقة أو أنهم ساعدوا الجيش العراقي).

[تكامل الأدوار]
الفلسطينيّون في الداخل كانوا يشعرون على الدوام بمرارة الخذلان العربي، عرفات كان يسوّق تخلّي الأمة العربيّة عن فلسطين للفلسطيين ليتحجج بأنّه لا مفرّ أمامه سوى التفاوض مع إسرائيل، والأنظمة كانت تتحجج لشعوبها بتفاوض عرفات بأن الفلسطينيين قد سلّموا للأمر الواقع وباعوا قضيّتهم (تكامل بليغ في الأدوار).

بعد الإنتفاضة الثانية كان دور الجهاديين قد انتهى وأصبحت الدول العربية تستخدم الليبراليين الذين يتماهون بشكل تامّ مع الدعاية الصهونيّة.. يتضح هذا بجلاء في السعودية ومصر، قبل أيّام وأنا أتابع تغطية الإعلامين المصري والسعودي أقول إنّ الشعوب تتبنّى اراءها على الحقائق المتوفّرة لها.. هل يمكن أن نحسن الظنّ بالشعوب العربية لنقول الذنب ليس ذنبهم لانه فقط يساء توصيل الحقائق لهم.. ولذلك يتبنّى البعض منهم مواقف صهيونيّة؟!

الأكيد أننا أحوج ما نكون لإعادة كتابة تاريخنا لنبدأ إصلاح هذا الخلل.
والأكيد أن ما نراه اليوم ليس وليد الأحداث الراهنة ولا حتى السنوات القليلة ماضية.

0 بصمات:

إرسال تعليق

اترك بصمة.. و اعلم أن هناك من يقتفي الأثر